محمد حسين علي الصغير

191

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

الكفيل - وحده - بالهداية وسنن الرشاد ، بحكم أنه الخالق المبدع المصور . أما التمكين من هذه الهداية فيما أبان من دلائل وحدانية وعلائم ربوبيته ، وهما إشارتان في تقوم الخلفية الداخلية عند الانسان . وبتقويم هذه الخلفية يتبلور الدين الحق ، وإذا وصل الانسان إلى الدين الحق لم تتحقق الهداية فحسب بل الهداية ولازمها من الخشوع والخشية والإنابة . ويبدو أن أصل ذلك عند إبراهيم كلمة التوحيد التي فاه بها لسانا واعتقدها جنانا ، فكانت الثّبات واليقين والمبدأ ، لأنها لغة الأعماق في ذاته ، وسنة الكون بمتطلباته ، وقد أثابه اللّه على ذلك أن جعل هذه الكلمة باقية في عقبه رغم تعاقب الأجيال والأزمنة تكريما له ، واستجابة لدعائه فيما اقتصه اللّه تعالى من قوله : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 ) « 1 » . فالنبوة والولاية والإمامة في ذريته ، فموسى وعيسى ونبينا محمد صلوات اللّه عليهم أجمعين من ذريته ، وهم عقبه وأبناؤه الحقيقيون يؤمنون بكلمة التوحيد لأبيهم إبراهيم ، ويا لها من منزلة رفيعة : أن تبقى هذه الكلمة متوارثة في ذرية هذا الأب الموحد ، معينا من الهداية لا ينضب ، وشعلة من الحق لا تخبو ، يرجع فيها إلى الطريق من ضل ، وإلى التوحيد من أشرك ، وإلى اليقين من شك ، يبشرون بها حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها ، ولقد كان التوحيد معروفا قبل إبراهيم ، ولكنه تأصل وتأطر واستقر بعد إبراهيم ، كلمة باقية في عقبه إلى يوم الدين . ووصلت هذه الكلمة إلى الأبناء ، فكيف كان استقبال الأبناء لرسالة الآباء ؟ هذا ما تجيب عنه حقائق الأعمال .

--> ( 1 ) البقرة : 124 .